الجمعية الأهلية لمناهضة الصهيونية ونصرة فلسطين
     الجمعة، 22 آب 2014

الصفحة الرئيسية -->العـــــــــراق -->العراق : مستويات الصراع بين إرادتين (بقلم : وليد الزبيدي) 28/3/2010


أرسل لصديق طباعة حفظ
 

العراق : مستويات الصراع بين إرادتين (بقلم : وليد الزبيدي) 28/3/2010


العراق : مستويات الصراع بين إرادتين
بقلم : وليد الزبيدي

صحافي عربي من العراق

حال الأمة ( العراق 2009 )
ورقة خاصة بالمؤتمر القومي العربي
منشورة في مجلة ( المستقبل العربي ) عدد آذار 2010


مقدمة :
يتفرد العراق بكثرة العناوين وتشعباتها في مشهده السياسي اليومي ، ومن الصعوبة البالغة حصر جميع المفردات ،عند الكتابة عن حال العراق عام 2009، فالذي يتصدى الى موضوع العراق ، يجب أن يعتمد منهجاً واضحاً في تعاطيه مع الأحداث وتطوراتها ، وأن لايقع فريسة الخلط بين إتجاهين ، وهو ما يُسير الكثير من المراقبين والكتاب عليه عند تناولهم للشأن العراقي ، فالذي يزاوج بين الغزو ونقيضه ، يدخل في إشكالية منهجية واضحة، تصطدم فيها رؤيتان متناقضتان ، الأولى ما أراده الغزو الأمريكي ، من مشروع واضح المعالم والأهداف ، والثانية ما تبنته القوى المعارضة لهذا المشروع والمقاومة له . ورصدنا أن الخلط بين هاتين الرؤيتين وبالتالي مايبرز من إسقاطات ، يقع في الأغلب على حساب رؤية ومنهج المشروع المعارض والمقاوم ، لصالح مشروع الغزو ، وأبرز جوانب هذه الإسقاطات ، ذهاب المراقبين والمحللين الى الإستغراق في شرح وتوضيح الكثير من أوجه العملية السياسية ، مايعني الشروع في إصلاح مشروع الغزو ، الذي يخلص في النهاية الى تذويب مشروع المعارضة والمقاومة في صلب ذلك المشروع ، دون إحداث التغييرات الجوهرية فيه ، ومن خلال فهمنا لهذه الإشكالية ، فقد إرتأينا أن يتم عرض حال العراق ، من هذا المنطلق ، دون تداخل أو أي مزج بين الرؤيتين .
إن عام 2009 ، هو العام السابع للغزو الأمريكي للعراق ، ولايمكن عزله عن السنوات السابقة منذ ربيع عام 2003 وحتى الآن ، إلا أننا وجدنا أن هذا العام يرتبط من حيث الأحداث وتطوراتها بقوة بعام 2008 ، كما أنه يرتبط بذات القوة بعام 2010.
لهذا سنحاول التركيز على المفردات الاهم وبحسب ارتباطها بتطورات الاحداث في هذا البلد، مع اعطاء فسحة زمانية تمتد قدر الامكان وفي حدود الحاجة لتوضيح الامور الى ماقبل وما بعد عام 2009.

ومن خلال متابعة تفاصيل المشهد العراقي، وجدنا ان العناوين الابرز والاكثر حضوراً وتفاعلاً في العراق، التي يمكن أن تغطي المساحة الأهم في القضية العراقية ، وتعطي تصوراً شاملاً عن أوجه الصراع في العراق ومستوياته وطبيعته، يمكن حصرها بالأتي:

1- الاوضاع الامنية.
2- انتخابات مجالس المحافظات.
3- المهجرون.
4- أنتخابات 2010.
5- مشروع المقاومة.
6-الصحوات .
7- نظرة استشرافية.

أولاً : الاوضاع الامنية

يتفق الجميع على أن الاوضاع الامنية تمثل القاسم المشترك لجميع مفاصل الحياة في اي بلد، ولا يختلف اثنان على ان تدهور الوضع الامني في العراق، قد القى بظلاله بقوة على مختلف اوجه الحياة بعد الغزو الامريكي للعراق عام 2003، ولا يمكن اقتطاع عام 2009 وعزله عن تتابع الاحداث على الصعيد الامني، إلا ان الحكومة العراقية عملت على الترويج لمسألة التحسن في الاوضاع الامنية، والقول ان اجهزة الشرطة وقوات الجيش اصبحت قادرة على الامساك بالملف الامني، وتقليل الاعتماد على القوات الامريكية، تمهيداً لفرض الامن في جميع انحاء العراق، إلا ان الاحداث الامنية المتمثلة بالانفجارات والاغتيالات وعمليات الاختطاف لم تتوقف، واعتقد الكثيرون ان حكومة نوري المالكي قد حققت تقدماً هاماً في قطاع الامن، إلا ان موجة من التفجيرات زلزلت بغداد وأبتدأت في تفجيرات (الاربعاء 19/8/2009)، التي فاجأت الجميع واربكت المشهد الامني، بعد ان تم تنفيذ الهجمات في قلب بغداد مستهدفه المنطقة الخضراء، حيث طال التفجيرالأول مبنى وزارة الخارجية ووزارة الدفاع ووزارة المالية، وسرعان ما تم طرح السؤال الاهم، عن كيفية الوصول الى هذه الاماكن ،التي تخضع لتحصينات واحترازات امنية في غاية التشدد.
فاذا كانت تفجيرات (الاربعاء ) قد وُصِفَتْ بالزلزال، فان التفجيرات الللاحقة يمكن وصفها بسلسلة (صواعق) ضربت جميع المرتكزات التي حاولت بناءها الحكومة ، وروجت فيها لمسألة التحسن في الاوضاع الامنية، لقد جاءت التفجيرات اللاحقة والتي حصلت في ذات الاماكن التي استهدفها التفجير الاول، لتنزع ثقة الشارع بالقدرات الامنية لحكومة المالكي، كما زرعت الكثير من الشكوك الحكومية بالاجهزة الامنية، التي سارع كبار المسؤولين الى اتهام هذه الاجهزة بأنها (مخترقه) ، وحصلت هذه التفجيرات في قلب بغداد بتاريخ 25/10/2009 ، وتم تنفيذ خمسة إنفجارات عنيفة أخرى بتاريخ 8/12/2009.
لم تقتصر الزلازل الامنية على العاصمة بغداد، فقد طالت قيادات السلطة في الانبار،التي قال المسؤولون فيها أن الأمن قد أستتب بها نهائياً. وبتاريخ 30/12/2009 استهدفت ثلاثة انفجارات كبار المسؤولين في الانبار من بينهم محافظ الانبار والمسؤول الامني وآخرين.
وعندما حصلت تفجيرات الفنادق بتاريخ25/1/2010 ،وفي اليوم التالي 26/1/2010 جاء التفجير الهائل الذي طال مديرية التحريات الجنائية، قال الجنرال ريموند أوديرنو قائد القوات الأمريكية في العراق ان المسلحين يستخدمون أسلوب التفجيرات القائمة على قدر كبير من التخطيط والتنسيق ( أسيوشيتدبريس 27/1/2010 ) .
ان التفجيرات التي توزعت على مدة نصف عام ، إبتداءاً من (19/8/2009 تفجيرات الاربعاء وصولاً الى تفجيرات الفنادق التي يقطنها صحفيون عراقيون واجانب وفي اليوم التالي استهداف مديرية التحريات الجنائية بتاريخ 26/1/2010)، قد بعثت بعدة رسائل، ليس من الصعب قراءة مضامينها والجهات التي اُرسِلتْ اليها هذه الرسائل، وهذه الجهات هي :
أولاً: قوات الغزو: ومضمون الرسالة، تؤكد ان القوات الامنية التي دربتها القوات الامريكية وجهزتها بأحدث الاسلحة وقدمت لها الدعم اللوجستي، واجهزة الاتصال الحديثة والمتطورة ، غير قادرة على تأمين الحماية لأهم واخطر الاماكن الحكومية، وان الادارة الامريكية، لن تتمكن من صناعة اجهزة امنية وفق الرؤية التي اعتمدتها القوات الامريكية، ولن تصل الى درجة الحرفية لتصبح قادرة على توفير الحماية للحكومة وللعملية السياسية.
ثانياً :الحكومة العراقية: تؤكد الرسالة الموجهة الى الحكومة العراقية برئاسة نوري المالكي، ان حملات الاعتقال التي طالت مئات الالاف من العراقيين خلال السنوات الاخيرة، لم تتمكن من القضاء على الأشخاص الذين يستهدفون مرتكزات الحكومة المتمثلة بالوزارات الكبيرة والدوائر والفنادق، كما ان الجهد الاستخباري الذي صرفت عليه الحكومة مليارات الدولارات، سواءً للاجهزة الاستخبارية المتخصصة، او اجهزة الرصد والمراقبة الالكترونية، وأكثر من (200) الف (مخبر سري) يتجسسون على العراقيين لمعرفة تحرك الجماعات المسلحة، كل ذلك، لم يحقق الهدف المنشود، اذ تمكن المهاجمون من الوصول الى اهم مفاصل الحكومة ودمروها. ومن المؤكد ان الحكومة لا تستطيع ان تضيف جهوداً اخرى ،لكل ما فعلته خلال السنوات الماضية.
ثالثاً : الشعب العراقي: تحمل الرسالة بين طياتها العديد من العناوين التي تخاطب العراقيين، فتقول الى المناوئين وغير المقتنعين بالحكومة والمحاصصة فيها، بأن هؤلاء عبارة عن مجموعة من (الفاشلين)، الذين لاهم لهم سوى الاستحواذ على المنافع الشخصية والحزبية، وتقول الرسالة الى العاملين تحت الوية الاجنحة الامنية، بأن التمسك بالحكومة والعملية السياسية والدفاع عنها، ليس بأكثر من رهان خاسر، ولا شك ان هذا الامر يخلق فجوات في الثقة بالحكومة، التي ترتكز على ارض هشة، ومن السهولة ارباكها وزعزعتها.
رابعاً:الدول العربية وغيرها من دول العالم : وتقول لهم الرسالة بأن مفصل الامن الواهن، الذي راهنتم عليه، وتعملون على ارسال السفراء وتشجيع الشركات للاستثمار بهدف دعم الحكومة والعملية السياسية، ليس بأكثر من وهم لا يقف على ارضية حقيقية في العراق.
ان صناعة الامن في العراق، ابتدأ بطريقة، تحاكي رغبات واساليب قوات الغزو الامريكية، ولم تستند الى المفهوم الدقيق لقضايا الامن، التي تضع مسألة ( هيبة الاجهزة الامنية ) والثقة بهذه الاجهزة، قبل مبدا ( الاستقواء بالقوات الامريكية)، ومواصلة التنكيل بأبناء العراق، ومنذ ان اعتمدت الحكومات المتلاحقة بعد 28/6/2004، حيث تسلم الدكتور اياد علاوي السلطة من بول بريمر وحتى الآن أساليب الإعتقال والقتل والتعذيب الوحشي بحق العراقيين ، والاجهزة الامنية تسير وفق اساليب (الاستقواء) و (التنكيل). ويتفق جميع الخبراء في مجال الامن وعلوم الاجتماع، ان هذا التوجه، لن يتمكن من صناعة اجهزة امنية يثق بها الناس، ويشعرون ب(هيبتها) قبل تلمس الوحشية في اساليبها وفي تعاملها مع العراقيين.
لذلك فان خمسة عشر انفجاراً عنيفاً على مدى نصف عام تقريباً، شطبت على جهود امريكية وحكوميه تواصلت لما يقرب من سبع سنوات، وصُرِفتْ عليه عشرات المليارات من الدولارات، وجاء هذا الشطب ليقلب القناعات، ويربك الكثير من الخطط الامريكية والحكومية، وبعد الهجهات التي استهدفت مجموعة الفنادق، وفي اليوم التالي مديرية التحريات الجنائية في بغداد، قالت صحيفة نيويورك تايمز الامريكية في تحليل للاوضاع الامنية في العراق (ان تفجيرات الفنادق ومديرية التحريات الجنائية تعكس مدى عناد ( المتمردين) في توجيه ضرباتهم متى واينما ارادوا) – نيويورك تايمز في 27/1/2010.

ما يمكن قوله عن المفصل الامني خلال عام 2009 ومطلع 2010، ان وهم القوة والتمكن الحكومي قد انهار اثر الهجمات التي أشرنا اليها، ما اثر بقوة على سمعة الحكومة ومعها اقطاب العملية السياسية، وجاء ذلك في مرحلة حساسة وصعبة، وهي الاشهر والاسابيع التي سبقت الانتخابات البرلمانية المقررة في 7/3/2010 ، واتضح ذلك التأثير السلبي على حكومة المالكي واقطاب العملية السياسية من خلال الغضب الشعبي، الذي انفجر مرة واحدة، بعد التأكد الجمعي عند العراقيين من فشل الحكومة واجهزتها المشكلة من الاحزاب الكبرى المشاركة في العملية السياسية ،في تأمين الحماية لمؤسساتها ووزاراتها، وازداد انتشار السؤال الذي يقول، كيف تتمكن الحكومة من تأمين الحماية للعراقيين، وقد فشلت في تأمين الحماية للأماكن الخاصة بها.
وبالامكان تلخيص تأثير ازدياد التوتر الامني خلال النصف الثاني من عام 2009 وبداية العام الحالي 2010 بالنقاط الثلاث التالية:
اولاً: ازدياد انهيار الثقة بالحكومة والعملية السياسية، التي فشلت في تحسين الوضع الامني، كما فشلت في المحافظة على المستوى شبه المعقول، الذي أنعش الامل عند البعض خلال مطلع عام 2009.
ثانياً : اثر ذلك سلبياً في المحيط العربي الرسمي، حيث ازداد التوجه خلال النصف الثاني من عام 2008 وبداية 2009 لارسال السفراء الى بغداد، وينطبق ذلك على الكثير من دول العالم، حيث أن الدعم العربي والدولي لحكومة نوري المالكي وللعملية السياسية يعني الكثير لهم ، ونافذة الدعم العربي والدولي من اهم النوافذ التي يريدها رئيس الحكومة المالكي وجميع اركان العملية السياسية، اذ يمنح ذلك الطرفين شهادة حسن اداء اداري وامني وسياسي، الذي بأمكانهم استخدامه في ( الدعاية الانتخابية) على اعتباره (المنجز الامني) الاهم من بين المنجزات الاخرى ، التي لم يتحقق منها أي شيء على أرض الواقع .
ثالثاً : ساهمت سلسلة الزلازل الامنية في بغداد والانبار ومناطق اخرى ، في اجبار شركات عربية وعالمية على مراجعة خططها للاستثمار في العراق، وهو ما كانت تعول عليه حكومة المالكي والعملية السياسية كثيراً، للتباهي بتحقيق منجز على صعيد التواجد الاجنبي في العراق، الذي ازداد حضوره بقوة بعد الغزو عام 2003 مباشرة، ثم تراجع بحدة وفي وقت مبكر ، بعد الإنطلاقة المبكرة والقوية للمقاومة المسلحة في العراق وإستهدافها لقوات الغزو على نطاق واسع ومكثف، ما أرغم الكثير من تلك الشركات الى إغلاق مكاتبها في بغداد والعودة من حيث أتت .
اما خلاصة تقييم الوضع الامني في العراق، فقد جاءت على لسان كبار المسؤولين الامريكيين والعراقيين، الذين توقعوا المزيد من الهجمات والخروقات الامنية. وابقى هؤلاء المسؤولون السقف الزمني للخروقات الامنية الكبيرة مفتوحاً، ولم يحددوا مرحلة ما قبل الانتخابات نهاية لها ولا حتى مابعد مرحلة الإنتخابات .
اننا حرصنا على تفكيك اهم جوانب الملف الامني، بعيداً عن المزاعم والادعاءات ومحاولات التشويش على الرأي العام والقرار السياسي والاقتصادي العربي والدولي، بهدف انضاج التصور الحقيقي عن حاضر العراق ومستقبله، بأعتبار ان مفصل الامن، هو الاخطر والاهم والاكثر تأثيراً في جميع الملفات التي سنتحدث عنها.


ثنانياً :انتخابات مجالس المحافظات

بينما ينظر المعارضون للغزو والعملية السياسية، الى انتخابات المحافظات التي جرت في(30/1/2009) على انها استمراراً لمنتج الاحتلال الامريكي الذي بدأ في نيسان 2003، ووضع اولى مرتكزاته السياسية في مجلس الحكم الذي شكله بول بريمر(تموز 2003)،فان المشاركين في العملية السياسية ينظرون الى انتخابات المحافظات ،او في الحقيقة يحاولون الترويج لوجه اخر لهذه الانتخابات ،ومن زاوية أخرى منطلقين من النقاط التالية:
اولاً : ان انتخابات مجالس المحافظات قد حصلت في ظل (السيادة) التي امسك بها العراق للمرة الاولى منذ بداية الغزو، حيث تم التوقيع على الاتفاقية الامنية بين الحكومة العراقية والولايات المتحدة بتاريخ (27/11/2008)، اي قبل الانتخابات بشهرين، هذا ماردده المسؤولون في الحكومة وأقطاب العملية السياسية .
ثانياً : ان الانتخابات قد جرت بعد ان تسلمت السلطات العراقية (الملف الامني) مطلع عام2009، وان ذلك يدلل على القدرات المتقدمه للاجهزة الامنية، وثقة الجانب الامريكي بهذه القوات وقدرتها على حفظ الامن في مختلف مناطق العراق.
ثالثاً : جرت هذه الانتخابات في وقت سادت فيه قناعة عند الكثيرين، تذهب باتجاه تحسن مضطرد في الاوضاع الامنية، بعد ان تمكنت قوات الاحتلال الامريكي وبمعاونة(مجالس الصحوة) من فرض سيطرتها على مناطق كثيرة، لم تكن قادرة على تحقيقه عام 2006 وقبله.

ثالثاً :حقائق لم تتغير

ان الحقائق التي لم يجري عليها اي تغيير على ارض الواقع، خاصة ما يتعلق باطار وجوهر العملية السياسية ودور القوات الامريكية والاوضاع الامنية، قد ألقى بظلاله بقوة على انتخابات مجالس المحافظات ونتائجها، ويمكن توضيح ذلك وفق الاتي:
اولاً ً: العملية السياسية
رغم الحديث الواسع عن استعادة (السيادة) بعد التوقيع على الاتفاقية الامنية، واصبحت (الارادة) العراقية هي المتحكمة بالاوضاع في العراق، الا ان تغييراً ملموساً على ارض الواقع لم يحصل، فقانون انتخابات مجالس المحافظات، لم يخرج عن مسارات (قانون ادارة الدولة) الذي كتبه مستشار بريمر للشؤون القانونية البرفيسور اليهودي الامريكي من اصل عراقي (نوح فيلدمان)، وتم اعتماده في(16/11/2003) إبان حقبة حكم بول بريمر، واقره حينذاك مجلس الحكم وتناسل عنه الدستور الذي تم الاستفتاء عليه بتاريخ(15/10/2005)، والذي اعتمدت عليه الانتخابات البرلمانية التي جرت بتاريخ (15/12/2005)، مرسخةً المحاصصة العرقية والطائفية في العراق، التي وضع اسسها كما اشرنا قانون ادارة الدولة، وتم بموجب (الدستور) تقاسم المناصب والمواقع والسفراء استناداً الى تقسيم نفوس العراق الى (سنة وشيعة واكراد وتركمان وغيرهم)، رغم انه لاتوجد احصائية عراقية تعتمد تثبيت الطائفة على الاطلاق، لا في القرون السابقة، ولا في العقود اللاحقة بعد تأسيس الدولة العراقية عام 1921.
لذلك فأن (انتخابات مجالس المحافظات)، لم تكن سوى خطوة اخرى باتجاه تثبيت الحكم الطائفي والعرقي في العراق. ولم تكن هناك اي شكل من اشكال (الارادة العراقية)، بعد توقيع (الاتفاقية الامنية) وامساك العراقيين بـ(السيادة).
ثانياً : دور القوات الامريكية.
إنتشرت القوات الامريكية على نطاق واسع في جميع مناطق العراق اثناء (انتخابات المحافظات)، ولم تكن هذه القوات قد بدأت الانسحاب من المدن الذي تقرر حسب الاتفاقية الامنية (في 30/7/2009)والبقاء في قواعد محددة في العراق .
ان الحديث عن جزئيات في العملية السياسية، التي صنعها الغزو الامريكي وتدرج بمحاولات انضاجها، منذ تشكيل مجلس الحكم مروراً بانتخابات (31/1/2005) التي جاءت بحكومة ابراهيم الجعفري، والاستفتاء على الدستور(15/10/2005) والانتخابات الثانية (15/12/2005) التي جاءت بحكومة نوري المالكي ،وصولاً الى انتخابات مجالس المحافظات (30/1/2009)، من شأنها ان تستغرق البعض بمناقشة جزئيات سيئة في كل جانب ، الا ان ثمة نقطة رئيسية برزت في انتخابات مجالس المحافظات لا بد من التوقف عندها، لاننا نعتقد بانها خطيرة، واريد من خلال الترويج لها، وتقديم اغراءات عديدة تحمل رسالة الى اكثر من طرف، والقضية التي نتحدث عنها، ما تم الترويج له عن ماحققتة قائمة المرشح المستقل الحبوبي في كربلاء وقائمة(الحدباء) في الموصل،حيث استطاعت هاتان القائمتان المستقلتان من تحقيق حضور في نتائج الانتخابات، وقبل ان نتوقف عند حدود التغير الذي يمكن ان تحققه هذه القوائم،لابد من التاكيد على ان هذه النتائج(المحدودة) قد حملت رسائل الى كل من:
1.المعارضون للعملية السياسية، الذين يرددون باستمرار ان العملية السياسية خا ضعة للمحاصصة الطائفية والعراقية،وان الذين يتحكمون بنتائجها اولاً واخيراً الاحزاب الرئيسة الماسكة بالسلطة. وجاءت نتائج(كربلاء والموصل) ليُشُكك باتهامات المعارضين للعملية السياسية، ومن بين ما تحمله هذه الرسالة اشارة قوية، تتحدث عن( تململ) ديمقراطي بعد عودة (السيادة) التي جاءت بعد الاتفاقية الامنية.
2.قطاع شعبي واسع اخذ يشعر بالامتعاظ والغثيان من العملية السياسية والحكومة،نتيجة لوصول الخدمات الى اسوء مراحلها، اضافة الى الفوضى الامنية والفساد المستشري مثل السرطان في المنظومة الحكومية وفي العملية السياسية .وحملت نتائج(كربلاء والموصل)بارقة امل لانعاش الثقة بالعملية السياسية على حد ما حملته هذه الرسالة.
باعتقادنا ان بارقة (الامل) التي حاولوا اشاعتها بين العراقين بداية عام 2009،تحمل بعداً اهم،وهو جرجرت من يمكن جرجرتهم من المعارضين للعملية السياسية للدخول بها، والمشاركة في الانتخابات البرلمانية المقررة في (7/3/2010)،وان دخول هؤلاء،سينعكس على القطاعات الشعبية التي تمثل بيئة (الداخلون الجدد)،ما يعطي دفعة للعملية الساسية،التي لم يتغير من جوهرهاالذي ابتداء منذ مجلس الحكم(تموز2003)اي شئ.وان جميع الذين دخلوا من خارج منظمومة الاحزاب الطائفية والعرقية، لم يكون دورهم اكثر من (ديكور) لتجميل وجه العملية السياسية.اما على ارض الواقع،فلم يحصل اي تغير في المنظومة الامنية والاقتصادية من جراء صعود(قائمة الحدباء وقائمة الحبوبي)، فلم يتمكن هؤلاء من ايقاف عمليات الاعتقالات التي ازدادت خاصة في الموصل،وباوامر مباشرة من المالكي،كما ان الأوضاع الاقتصادية لم تتغير وبقيت الاحوال المعيشية متردية والخدمات على ذات التردي والسوء.
وفي واقع الحال ، لم تكن إنتخابات مجالس المحافظات ، إلا حلقة من بين حلقات بناء المشروع الأمريكي في العراق ، الذي أرادته إدارة البيت الأبيض ، أن يكون الأداة غير المباشرة لتثبيت نوع الحكم ، الذي يعمل على تثبيت نظام الحكم الطائفي والعرقي في هذا البلد وتجذيره .

رابعاً :المهجرون العراقيون

ليست هناك احصائيات دقيقة عن عدد المهجرين العراقين، الذين ينقسمون الى فئتين : هما المهجرون داخل العراق والمهجرون خارج العراق، الا ان الأرقام التي أعلنتها منظمة الهجرة العالمية تقدر اعداد المهجرين داخل العراق ب 2.1 مليون عراقي،ويُقََدَرْ عدد العراقين المهجرين في الخارج باربعة ملايين شخص. وبدات هجرة العراقيين الى الخارج بعد الغزو الامريكي للعراق في ربيع2003،الاان اعدادهم لم تكن كثيرة ، ولم تحصل هجرة داخلية ملموسة بعد الغزو الامريكي ، وإن اعداد المهجرين اخذت بالازدياد عام 2005 عندما عمدت الاجهزة الامنية وبالاخص ما يسمى(مغاوير الداخلية)في حكومة ابراهيم الجعفري الى شن عمليات اعتقال واسعة على اساس طائفي واضح،ومارست هذة القوات ابشع انواع التعذيب وانتشرت ظاهرة ثقب الرؤوس والصدر والاطراف باستخدام المثقب الكهربائي (الدريل)، ما اثار الخوف عند الكثير من العوائل،التي سارع الكثير منها الى الهجرة الى خارج العراق.اما الهجرة الاوسع فقد بدات عام 2006،بعد ان لاحت بوادر حرب طائفية مناطقية ،والتي عملت عصابات وميلشيا، تبين انها مرتبطة بقوات الغزو الامريكي، على إثارة تلك الفتن على خلفية التفجير المدبر لقبة سامراء الذهبية في (22/2/2006)، ومثلما إنتشرت هذه العصابات في الطرق المؤدية الى الموصل والقادمة من بغداد ، وتواجدت تحت حماية القوات الأمريكية على الطريق الرئيسي في منطقة الأنبار ، فإنها إنتشرت في بغداد والكثير من مناطق العراق ، وهدفها إثارة الفتنة الطائفية من خلال الإختطاف والقتل .

وحصلت هجرة واسعة داخل المدن الرئيسة وحتى القرى والارياف،وتحت تاثيرات المخاوف من الشحن الطائفي.ويمكن القول ان عام2009،شهد شبه استقرار لاعداد المهجرين في الداخل والخارج،بعد ان توالت عمليات النزوح عامي 2006 و2007، واصبحت الاعداد اقل عام 2008. ان القراءات العلمية لمسالة (المهجرين العراقين)من الداخل والخارج،لاتخرج عن سياق ما يجري في العراق منذ بداية الغزو، ويخطئ من يعتقد ان ما حصل في موضوع (التهجير) ليس باكثرمن رد فعل على تداعيات الاحداث الامنية التي شهدها العراق. واننا نرى ان عمليات التهجير والاصرار على ابقاء المهجرين لاربع سنوات وأكثر في محيط اجتماعي ومعاشي جديد، مع الحرص على ان يكون هذا النزوح الى جغرافية ذات صبغة طائفية،يراد منه السير في طريق تقسيم العراق اولاً، الذي هو في صلب المشروع الامريكي في العراق، والعمل على عزل العراق عن محيطة العربي، وهو ما حرص القائمون على العملية السياسية ادراجه في ديباجة الدستور قبل الاستفتاء علية عام 2005،ووضعوا في الديباجة ما نصه(ان العرب في العراق جزء من الامة العربية)،اي ان العراق ارضاً وشعباً لاعلاقة له بالامة العربية.ومن خلال قراءة أوضاع المهجرين وما استقرت علية عام 2009 يتضح ان اهداف ذلك يمكن تحديدها في الجوانب التالية:

1.الابقاء على اربعة ملايين عراقي مهجر في الخارج ، وما تفرض عليهم طول الاقامة التكيف مع الحياة الجديدة ،بصورة او باخرى،وهذا يفتح امام الكثير منهم الابواب للاستقرار في تلك الدول وعدم العودة الى العراق.
2.حصول الكثيرين من أصحاب الشهادات والكفاءات المهجرة على فرص عمل سواءً في امريكا وكندا او دول العالم الاخرى، وحتى في بعض الدول العربية،ما يسهم في تفريغ العراق من العلماء والكفاءات،وهذا ركن اساسي من اركان المشروع الامريكي في العراق،فالمطلوب ان يكون العراق بلد الامية والجهل (وصل عدد الاميين الى خمسة ملايين شخص حالياً) ،بهدف التدميرالنهائي والكامل للبنية المعرفية في العراق،وهناك اجراءات يومية تهدف الى تولي المسؤوليات والمناصب في اهم مفاصل الدولة العراقية العلمية والاقتصادية والادارية والثقافية من الموالين للاحزاب الطائفية،التي تعمل ضد عروبة العراق وتعمل على تقسيمة وتفتيتة.
3. الحرص على رسم جغرافية عراقية جديدة ،يظهر فيها العامل الطائفي بقوة،من خلال الابقاء على المهجرين في الداخل حسب التقسيمات الطائفية. وأن الهدف من جراء ذلك يمكن تلخيصه بعدة جمل مقتضبة اهمها،العمل علي تقليص او تقليل العوامل الكابحة للطائفية في العراق وهي.
أ. العامل الاجتماعي : واهم مرتكزاته التزاوج بين العراقين دون النظر الى الطائفية بعصبية وتشدد.
ب.التداخل الجغرافي ،حيث السكن المشترك في الكثير من مناطق العراق.
ج.اخفاء وتغييب الرمزية العلمية والادارية والثقافية الوطنية،التي تعمل على تنمية عراقية شاملة ، وهو مخالف لمنهج وسيساسات الاحزاب الطائفية الحالية.
من هذه الرؤية ،نعتقد بان قضية المهجرين العراقين في الداخل،من الاوراق الخطيرة في العراق،وان العمل يجري على استخدامها وفق مخطط مدروس،يحاول الوصول الى تفتيت الفكر العروبي والمنهج الوطني ،على طريق وضع العراقين في القوالب الطائفية وتدمير العوامل الكابحة لاي فتنة طائفية،وعلى المدى البعيد ،وإذا ماتحقق ذلك ، فإن خطورة العمل على عزل العراق عن محيطة العربي، لم يكن بالامر الصعب حينذاك.
ومن يدقق في سلوكيات ادارة الغزو الامريكي وما فعلته الحكومات المتلاحقة خلال السنوات الماضية، يتأكد له حرص الطرفين على ابقاء المهجرين في مناطق تواجدهم التي اجبروا على النزوح اليها منذ عام 2005 والسنوات اللاحقة، وتفكيك المشهد العراقي في ضوء المعطيات والمؤشرات واهدف الغزو الامريكي للعراق ، وما تحاول تحقيقة احزاب العملية السياسية والحكومة،يثبت خطورة قضية المهجرين وخروجها من اطارها (الانساني) الذي يطغي على كل حديث او نقاش يتصدى لقضية المهجرين ، الى حيز أكبر وأخطر، يتصل بقوة بمشروع تفكيك العراق وعزله عن محيطه العربي.

خامساً : الصحوات

إحتلت قضية (مجالس الصحوات)حيزاً مهماً في اجزاء المشهد العراقي خلال عام 2009، فهذه المجالس التي شكلها الامريكيون واعلنت انطلاقها في سبتمبر/ايلول2006 قد أُسْدلَ الستار على الكثير من صفحاتها مع نهاية عام 2009 ، وقد تم إنهاء عقود الغالبية العظمى من مجالس الصحوات ، وكان الهدف الذي تأسست من أجله الصحوات هو تامين اوضاع القوات الامريكية وتسهيل تحركها في العديد من مناطق بغداد ومدن واحياء أخرى في العراق،حيث كانت قوات الغزو تتعرض الى هجمات من قبل فصائل المقاومة في بغداد والمناطق المحيط بها امتدادا ًالى مناطق الانبار وصلاح الدين وديالى وكركوك والموصل، ولاحاجة لسرد جميع تفاصيل قصة (الصحوات) ،الا ان ما يعنينا في هذه الورقة ،ماآلت اليه احوال هذه المجالس عام(2009)،الذي يمكن تسميته بنهاية هذه المجالس،بعد ان ظهرت العديد من المؤشرات التي تؤكد ان النصف الثاني من عام 2008،كان بمثابة بداية حقبة(افول)الصحوات.
لايستطيع احد انكارالخدمة الكبيرة،التي قدمتها مجالس الصحوات باعدادها التي تجاوزت ال(170) الف مسلح لقوات الغزو الأمريكية وللعملية السياسية والحكومة ،حيث تم إحداثْ فراغات كبيرة داخل البيئة الحاضنة للمقاومة،وبسبب وجود بعض قيادات الصحوات من القلة القليلة من فصائل المقاومة،فقد ساهموا في تراجع الفعل المقاوم، وقدم هؤلاء معلومات كثيرة الى اجهزة حكومة المالكي وللقوات الامريكية،بحق قياديين في بعض الفصائل،بل ان القوات الامريكية اقدمت على قتل العديد من قيادات ورجال المقاومة امام عوائلهم،بعد تاكدها من انضواء هؤلاء تحت الجهد المقاوم لقوات الغزو ، بناءً على المعلومات المقدمة من الصحوات.
ان التاكيد على هذا الجانب الهام من عمل( الصحوات)، نراه ضرورياً عند الحديث عن اوضاع الصحوات(عام2009)،اذا إتضح للغالبية العظمى من العراقين والمراقبين في الداخل والخارج ،عدم صحة الجوانب والمرتكزات التثقيفية التي استخدمها المروجون والداعون لتشكيل الصحوات، والتي اكدوا فيها على النقاط الثلاث التالية:
اولاً : ان هدف الصحوات الرئيسي،يتمثل في التخلص من (الارهاب) الذي يضايق القوات الامريكية ،وان الادارة الامريكية قد اكدت للزعامات الداعية الى الصحوات،ان قواتهم ستضرب ايران حال تامين اوضاعها في العراق ،بعد التخلص من (الارهاب)،وعند ذاك ستتفرغ أمريكا للحرب على ايران.(المقصود هنا بالارهاب،جميع الفصائل والقوى التي تحارب القوات الامريكية وبدون استثناء).
ثانياً:ان مجالس الصحوة،سيتم دمجهم بالاجهزة الامنية بهدف احداث توازنات(طائفية)بعد ان تفردت طائفية واحدة بالاستحواذ على الاجهزة الامنية، وان هذا الامر،سينعكس ايجابياًعلى امن مناطق معينة،طالما شهدت اضطرابات شديدة، وان المرحلة اللاحقة ستكون مرحلة اعمار وبناء واسع في هذه المناطق.
ثالثاً: تعهدت القوات الامريكية بالانفاق المادي على الصحوات وتزويدهم بالاسلحة الحديثة،بعد ان تتم اجراءات الاستحضارات،وحال اثبات الصحوات انها قادرة على مطاردة واعتقال وقتل(الاهداف) المحددة من قبل القوات الأمريكية ،والمقصود هنا(كل من يحمل السلاح ضد قوات الغزو او يشتبه بمساندته او دعمه وتاييده لحملة السلاح) .

سادساً : خيبة شاملة
ان وعداً واحداً من الوعود التي اطلقتها القوات الامريكية ، والتي روج لها دعاة الصحوة من سياسين وشيوخ عشائر ورجال دين، لم تتحقق، ولمجرد ان استعادت القوات الامريكية سيطرتها أوعلى الاقل قدرتها على الحركة في المناطق التي كانت ساخنة في السابق ،فانها تخلت عن وعودها، وسارعت القوات الامريكية الى نقل المسؤولية الامنية من الصحوات الى الاجهزة الامنية الحكومية،التي باشرت بتحويل الكثير من عناصر الصحوات الى جواسيس يكتبون التقارير بخط اليد(باعتبارها وثيقة دامغة) وتشمل تلك التقارير معلومات تفصيلية عن مناطقهم وارقاربهم وعشيرتهم ،ويكون التركيز على ضباط الجيش السايق الذين قاتلوا ايران وهزموها(1980_1988)،اضافة الى كل من يحمل توجهاًعروبياً،والذين يتعاطون مع المقاومة او يشك بانتما ئهم الى صفوفها.وشرعت القوات الامنية المرتبطة بصورة مباشرة برئيس الوزراء نوري المالكي ،بحملات دهم واعتقالات طالت غالبية الاشخاص، الذين قدمت الصحوات معلومات عنهم ،واشتدت تلك الحملات بعد 13/9/2007، عندما اغتيل عبد الستار ابو ريشة أول من عمل على تشكيل الصحوات في قريته بمحافظة الانبار ، حيث تم اختيار الذكرى الاولى لتاسيس الصحوات لتنفيذ الإغتيال. واستغلت حكومة المالكي هذا الحادث ،لتبدأ حملات إعتقالات طالت مئات الالاف من العراقيين،وما زالت هذه الاعتقالات متواصلة.
ان الصحوات اصبحت امام اكثر من كماشة،خاصة بعد ابلغ مسؤول امريكي كبير عدداً من قادة الصحوات ،بعد ان طلبوا مقابلته في احدى العواصم العربية، وسالوه عن الوعود الامريكية فاجابهم بالنص،وحسب المعلومات التي وصلتنا ،قال المسؤول الامريكي،ما يتعلق بايران،فانها (جارة)لكم وعليكم ان تتعايشوا معها،ولا دخل لامريكا بموضوع ايران،ومسالة السلاح والامول فان لديكم (حكومة وحدة وطنية) وهي المسؤولة عن ذلك،ووعدهم بدمج نسبة ضئيلة من عناصر الصحوات في دوائر حكومية اوالاجهزة الامنية.
اما الكماشات التي احاطت بالصحوات فهى التالية :
1.كماشة الاجهزة الحكومية،التي انقلبت على الكثيرمن الصحوات واعتقلتهم وحكمت على البعض منهم بالاعدام ،على سبيل المثال(مسؤول صحوة الفضل ببغداد عادل المشهداني وسواه)، وذلك بعد أن إعتقدت الحكومة أنها تمكنت من بسط سيطرتها على تلك المناطق .
2.استهدافهم المباشر وعلى نطاق واسع بإغتيال زعاماتهم والكثير من العناصر ،وتبنت الاستهداف وعبر بيانات في الانترنت جهة واحدة هو(تنظيم القاعدة) وقتلت ما يقرب من مائتي مسؤول في مجالس الصحوات،وزرع هذا الاستهداف الخوف والهلع في دواخل هؤلاء،وحتى في محيطهم الاجتماعي العائلي والعشائري.
3.نظرة الاستصغار المجتمعية لعناصر الصحوات وزعاماتهم ،اذ صرح البعض منهم لوسائل الاعلام ، بان عوائلهم وعشائرهم يطلقون عليهم (العملاء)،وان القوات الامريكية التي كانت ترعاهم غادرت المناطق واغلقت(الهواتف) التي كانو يتصلون بهم من خلالها، ولم يودع الامريكان أصدقاءهم من زعامات ( مجالس الصحوات ) .ومنذ اواخر عام 2008 والنظرة الاستصغارية ووصم الصحوات بالعملاءوالجواسيس تزداد على نطاق واسع في المجتمع العراقي.
ان خلاصة القول في مجالس الصحوات،انها كانت عبارة عن اداة،قدمت الحماية لقوات الغزو من جهة،وساهمت في سيطرت القوات الامنية الحكومية على مناطق كثيرة، لتبدأ حملات افراغ هذه المناطق من رجاله وشبابه ، ما أثار موجة إستياء شعبية واسعة ضد الصحوات ،وانعكس ذلك سلباً وبقوة على (مجالس الصحوة) التي روجوا كثيرا بأن مهمتهم تنحصر في حماية هذه المناطق، واذا بهم يقدمون الحماية للاجهزة الحكومية التي تعتقل وتعذب وتبتز ابناء تلك المناطق.
ان النجاح الذي حققتة مجالس الصحوات في حماية قوات االغزو وتامين الطريق لانتشار الاجهزة الامنية ،قابله على الطرف الاخر، أمر هام الذي يمكن قراءته على مستويين.
الاول: دفع فصائل المقاومة الى مرحلة جديدة وهامة، وهو ما يمكن تسميته بمرحلة (الكتمان)،وذلك لمعالجة الخلل الذي تسبب بخسائر لرجال المقاومة، الذين ابلغت عنهم الصحوات القوات الامريكية والاجهزة الامنية.
الثاني:تاكد للكثيرين انه لانية لاصلاح العملية السياسية والاجهزة الامنية،وان الحكومة تضع في مقدمة اهدافها مطاردة القوى الوطنية المعارضة للاحتلال والعملية السياسية والمقاومة لها .وان مهمة الصحوات اقتصرت على تسليم المفاصل الامنية في العديد من المناطق ،على مراحل الى الاجهزة الحكومية من شرطة وجيش.
بنهاية2009 تم ايقاف صرف رواتب الصحوات،واسدلوا الستار على ظاهرة لايمكن تجاوزها،ويجب التوقف عندها ودراستها وتاشير الثغرات التي دخل منها الغزاة الى المجتمع العراقي ، والعمل على معالجتها بجميع الطرق الاجتماعية والنفسية والتثقيفية،مثلما تمت دراسة تجربة(روابط القرى)التي اسسها مصطفى دودين أواخر سبعينات القرن الماضي في فلسطين،وهدفها اختراق المقاومة وتفتيتها،وقبل ذالك الدور الذي اداه(الحركيون)في الجزائر،لصالح الاحتلال الفرنسي واين اصبح هؤلاء بعد عقود من انتهاء صلاحيتهم، والذين وصفهم الزعيم الفرنسي ديغول يوم استقلال الجزائر عام 1962 بقوله(انهم لعبة التاريخ،مجرد لعبة)،ولا يختلف هؤلاء عن الذين قدموا خدماتهم الى الاحتلال الامريكي في فيتنام ، والذين سارعوا الى خدمة مشروع الاحتلال بتاسيس (القرى الاسترا تيجية).
لذلك فان اعتبار(الصحوات) مجرد اداة عابرة ليس صحيحاً، لانهم حاولوا تمكين مشروع الغزو وادواته الذي قصد تمزيق العراق والغاء هويته العربية.

سابعاً : الاتفاقية الامنية

لا يمكن عزل الاتفاقية الامنية ،التي تم توقيعها بين الحكومة العراقية والادارة الامريكية بتاريخ (27/11/2008) عن تداعيات الاحداث ،التي حصلت في العراق عام 2009، بل ان تأثيرات وحضور هذه الاتفاقية مازال موجوداً وسيستمر طلما بقي الصراع في مستوياته الحالية وبما تقتضي كل مرحلة.
وإذا كانت القوى الوطنية العراقية تضع ثلاثة اخطار تهدد حاضر ومستقبل العراق، وهي :
1. الغزو.
2. العملية السياسية.
3. الاجهزة الامنية.
فأنه لابد من اضافة خطر جديد ،هو الاتفاقية الامنية، وهنا لا نريد مناقشة مفردات الخطورة فيها، لأنها واحدة من نتائج وتداعيات الغزو الامريكي للعراق ، الذي ابتدأ في اذار/مارس 2003، إلا ان هذه الاتفاقية التي استخدمتها الادارة الامريكية كغطاء للهروب من العراق، بعد ان تلقت قواتها ضربات موجعة ، وأصاب ذلك مقتلاً في المرتكز الإقتصادي للولايات المتحدة من جراء غزو العراق وافغانستان،فإنها في واقع الحال تشكل خطراً كبيراً لابد من التوقف عند جوانبه .

ان خطورة الاتفاقية الامنية تكمن في جانبين رئيسيين هما:

الجانب الأول : في حال قبولها بصورة نهائية من قبل العراقيين ،فأنها تحرم العراق افراداً ومؤسسات من المطالبة بحقوقهم القانونية ،الناجمة عن الغزو الامريكي لهذا البلد، وتعفي الادارة الامريكية من اي التزام قانوني يطالب به العراق، وهنا لابد من التأكيد على أن توصيف الحال في العراق، بالوصف الصحيح لايجوز ان يسمى (احتلالاً) وهو الامر الاهم، وجاءت الاتفاقية الامنية لتعمل على تثبيت اصطلاح (الاحتلال) والشطب على جميع حقوق العراق.
وقبل ان نناقش خطورة هذه الاتفاقية، لابد من توطأة سريعة، لتوضيح ما جرى في العراق، ويمكن اجمال ذلك بالنقاط التالية:
اولاً: ان التوصيف للاوضاع في العراق منذ يوم 19/3/2003 وحتى يومنا هذا، هو حالة حرب شرسة طرفاها قوات الغزو الامريكي من جانب ، وقوى وفصائل المقاومة في العراق من جانب آخر.
ثانياً : ان الاشتراطات القانونية الدولية لوصف (الاحتلال)، تحتاج عامل او عاملين اثنين هما:
أ‌. ان تتمكن قوات الغزو من بسط سيطرتها على البلد الذي غزته قواتها، وبالمدلول الاجتماعي والسياسي، يعني قبول ابناء البلد القوة الغازية، وعدم حمل السلاح ضدها.
ب‌. ان يوقع قادة او حكام البلد الذي تعرض للغزو وثيقة استسلام مع قوات الغزو كما حصل في المانيا واليابان عام 1945 بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.

وإستناداً الى القانون الدولي ، تعتبر الأراضي محتلة عندما تقع فعلياً تحت سلطة جيش معادِ ، ولايطال الإحتلال إلا الأراضي التي أسست فيها هذه السلطة ، ويمكن ممارستها فيها ( المادة 42 من أنظمة لاهاي ) .
ويشير كتيب الولايات المتحدة
FM 27-10 ( الفقرة 351 ) الى التعريف أعلاه ، ويحذو كتيب المملكة المتحدة ( الفقرة 503 ) حذوه بالتشديد على أنه لابد للقوات الغازية من أن تكون قد حلت محل سلطات البلد في ممارسة السيطرة الفعلية على أراضيه .
ويُستمد المعيار الوحيد لتحديد مدى إنطباق القانون على الإحتلال العسكري من الحقائق التالية : السيطرة الفعلية والفعالة على الأراضي من جانب قوات مسلحة أجنبية مقرونة بإمكانية إنفاذ قراراتها ، ( المصدر – العراق – الغزو – الإحتلال – المقاومة ... إصدار مركز دراسات الوحدة العربية 2003 ) ، والنص مأخوذ من وثيقة صادرة عن منظمة العفو الدولية ) .
وإستناداً الى المادة 43 من أنظمة لاهاي ، فإنه يترتب على دولة الإحتلال واجب إعادة فرض النظام والسلامة في الأراضي التي تسيطر عليها قواتها والحفاظ عليهما .
وإذا أردنا تطبيق هذه الجوانب الهامة والرئيسية في القانون الدولي على الوضع في العراق ، فإننا نجد وبسهولة كبيرة ، أن قوات الغزو لم تتمكن من الوصول الى المقبولية العراقية ، بل جوبهت بالمقاومة .
وفي العراق، فلم يتوفر أي من هذين العاملين التي ذكرناها أعلاه ، فالقوات الغازية ، لم تتمكن من تامين حتى (المنطقة الخضراء) التي تقع فيها مقر سفارة الغزو الامريكي اضافة الى المؤسسات التي صنعها الاحتلال من ما يسمى (حكومة وبرلمان)، كما ان العراقيين لم يوقعوا على (وثيقة استسلام)، يضاف الى كل ذلك، ان الغزو الامريكي لم يحصل على تفويض من الامم المتحدة، والأنكى ان ادارة الغزو قد اعترفت بأنها كانت مخطأة في مزاعمها ،التي اعتمدتها في غزو العراق والمتمثلة بـ (كذبة امتلاك العراق اسلحة دمار شامل ) وتهديد العراق للامن الدولي.
من هذا الفهم، نقول بأن الوصف السليم للوضع في العراق، انه في حالة حرب متواصلة، ففي يوم 9/4/2003، انهارت منظومة عراقية (رسمية)، لتبدا بعد 72 ساعة فقط منظومة عراقية (شعبية) هي ( المقاومة ) ففي ( 12/4/2003 ) سقط أول جندي مارينز أمريكي برصاص قناص عراقي مقاوم في حي الأعظمية / راغبة خاتون بجانب الرصافة ،وتواصل التصدي لقوات الغزو، ومازالت الحرب مستعرة، وما اعتراف البنتاغون بمقتل جنوده عبر بيانات رسمية موثقة وتعرض قواعدها للقصف واسقاط طائراته، إلا تأكيداً قاطعاً، على ان الحرب متواصلة، ولا يمكن تسمية الحال في العراق، بـ (الاحتلال)، وهذا يقودنا الى ان جميع المؤسسات التي صنعها الاحتلال غير شرعية ،وليس من حقها ان تبرم اي اتفاق مع قوات الغزو، وأن إصرار الادارة الامريكية على توقيع الاتفاقية، وتهديدات الرئيس الامريكي السابق جورج دبليو بوش ،التي اطلقها قبل التوقيع على الاتفاقية وخاطب بها الحكومة واقطاب العملية السياسية بقوله (ان قواتنا ستنسحب في حال عدم التوقيع على الاتفاقية) إلا دليلاً قاطعاً على حاجة دولة الغزو الولايات المتحدة الى هذه الإتفاقية ، وكما يعلم الجميع، ان الاعترافات بالاخطاء، قد توالت بعد التوقيع على الاتفاقية واعلن كل من جورج دبليو بوش ووزيرة الخارجية كونداليزا رايس ذلك بعد ان ضمنوا الجانب (القانوني) الذي تضمنته الاتفاقية، والذي يعفي الادارة الامريكية من آية تعويضات يطالب بها العراق والعراقيون. ويقدر الخبراء ان العراق قد خسر نتيجة للغزو أكثر من ثلاثة الاف مليار دولار، وهذه تتحملها الادارة الامريكية بالكامل ، إضافةً الى جرائم الحرب والإبادة الجماعية وإستخدام الأسلحة المحرمة دولياً وإنتهاكات حقوق الإنسان.
ونرى ان العمل يجب ان يتواصل وتتظافر الجهود القانونية والسياسية والشعبية العراقية والعربية ،لالغاء هذه الاتفاقية والعمل على توضيح الاسس غير القانونية التي اعتمدت في التوقيع عليها، بأعتبار ان الحكومة والعملية السياسية ليست شرعية على الاطلاق ،وانها ليست بأكثر من (منتج) لقوات الغزو، وان يكون هناك تحرك عربي على المنظمات والدول والشخصيات المؤثرة في سبيل الغاء الاتفاقية، ومن ثم الشروع بالمطالبة بحقوق العراق كاملة ووفق القوانين والمواثيق الدولية.
الجانب الثاني : تكمن خطورة الاتفاقية الامنية في الابقاء على قوات عسكرية ضاربة عامي 2010 و2011 بهدف دعم العملية السياسية والحكومة المقبلة بعد انتخابات (اذار 2010)، على ان يتحقق واحد من الاهداف التالية او الاثنين معاً وهما:
1- ان تتمكن القوات الامنية الحكومية من القضاء على جميع الفصائل المسلحة أو والمناوئة للعملية السياسية والحكومة ،ما يفتح الطريق امام عملية سياسية وفق المقاسات الامريكية، ولا يمكن لهذه العملية السياسية والحكومة الاعتراض على (الاتفاقية الامنية)، لان التوقيع قد تم من قبل اطراف العملية السياسية أنفسهم ، وليس من حقهم الغاءها.
2- ان يتم استيعاب القوى المعارضة والمسلحة في داخل العملية السياسية وتذويبهم في ذات الاطار الذي صنعه الامريكييون، دون حصول اي تغيير جوهري في العملية السياسية، وهذا (التذويب) لا يعطي الحق لأي طرف (يذوب) في العملية السياسية، في المطالبة بالغاء الاتفاقية الامنية.
نعتقد ان تأشير هذه الجوانب من صلب العمل الوطني والقومي، ولابد من الانتباه اليه، وعدم الانزلاق في مساراته الخفية والظاهرة، وضياع حقوق العراق، والانضواء تحت مشروع الاحتلال وان كان بعناوين ومسميات مختلفة.


ثامناً : المقاومة في العراق

إن عام 2009 يعد مفصلاً مهماً في عمر المقاومة في العراق، فمن ناحيه ، تمكنت فصائل المقاومة من إثبات إستمرارها في نهجها القتالي ، بعد أن تردد على نطاق واسع داخل العراق وخارجه ، عن تراجع المقاومة في العراق الى درجة تقترب من الخواء أو الإنكماش التام ، نتيجة لفعل الصحوات ، وكان عام 2008 بمثابة حقبة الرهان الصعب ، ومرحلة تحديات إثبات الوجود وتأكيد إستمرار النهج الذي إختارته فصائل المقاومة في الإصرار على هزيمة قوات الغزو الأمريكية . ومن ناحية أخرى ، برز خطاب المقاومة بقوة وثبات خلال عام 2009 ، وأصدرت الفصائل الكثير من البيانات التي تعلن عن هجمات كثيرة تستهدف قوات الغزو الأمريكية ، وبإمكاننا تسليط الضوء على ذلك من خلال المعطيات ادناه:
اولاً : تمكنت المقاومة من تجاوز محنة (الصحوات)، وما تسببت به من عرقلة واعاقة لمشروع المقاومة ،واحتوت فصائل المقاومة ذلك خلال عام 2008، لتستعيد قوتها بدرجة كبيرة مع مطلع عام 2009.
ثانياً : اعطى التوقيع على الاتفاقية الامنية زخماً جديداً لخطاب المقاومة، اذ اصدرت جميع فصائل المقاومة بيانات اعتبرت الاتفاقية باطلة، وانها صفحة من صفحات الغزو، ووجد اعلام المقاومة هذه المناسبة، للتأكيد على نهج المقاومة الثابت والرامي الى مواصلة قتال الغزاة حتى خروج آخر جندي من العراق.
ثالثاً : شهد عام 2009 ظهور جبهة من (13) فصيل خولت الدكتور حارث الضاري للتحدث بإسمها، وتم الاعلان عنها بتاريخ ( 10/6/2009 )، وقرأ مراقبون في هذه الخطوة بأنها استقراءاً لوضع الغزاة المتدهور والبحث عن وسائل للخروج من مأزقهم المتفاقم.
رابعاً : تم الاعلان عن حوار مباشر مع الامريكيين، على لسان الامين العام للمجلس السياسي للمقاومة العراقية الشيخ علي الجبوري (قناة الجزيرة بتاريخ 21/7/2009).
وجاء موقف غالبية فصائل المقاومة برفض الحوار الذي اعلنه الجبوري، وأكدت بيانات الفصائل على مواصلة قتالها لقوات الغزو.
خامساً : في 3 تشرين الثاني 2009 تم الاعلان عن اندماج اثنين من جبهات المقاومة، وهما القيادة العليا للجهاد والتحرير التي يقودها عزت الدوري وتضم (33) فصيلاً مسلحاً، وجبهة الخلاص الوطني .
سادساً : عاودت الفصائل منذ النصف الثاني من عام 2008 وخلال عام 2009 هجماتها النوعية ضد قوات الغزو، ولم تتوقف البيانات التي تعلن عن تلك الهجمات والغالبية منها موثقة بالتصوير المرئي (الفيديوي).
اما اهم المأخذ على فصائل المقاومة خلال عام 2009، انها لم توجه ضربات قاصمة الى قوات الغزو ، ومن الواضح ان فرصة ايقاع اكبر الخسائر بقوات الغزو قد تكون ضعيفة او ضئيلة، بعد (30/7/2009) وهو الموعد الذي حددته الاتفاقية الامنية للانسحاب من المدن والطرقات الى قواعد ثابتة. ولم يتم الاعلان عن عمليات كبيرة من شأنها ارغام قوات الغزو على التفاوض والخنوع لمطالب المقاومة. ومن الواضح ان الهجمات الكبيرة تحتاج الى اسلحة متطورة، وهذا مالم يتوفر لفصائل المقاومة في العراق، التي تعرضت الى حصارشامل، ولم تحصل على دعم خارجي منذ بدايتها وحتى الان.
اما امكانية الاشتباك الميداني مع القوات الامريكية، فيبدو صعباً، بسبب التضاريس المنبسطة في العراق وصعوبة انسحاب المشتبكين من المقاومة مع وجود الطائرات المروحية التي تحمي القوات الامريكية وطائرات واقمار التجسس، يضاف الى ذلك الانتشار الواسع للاجهزة الامنية الحكومية وعناصر الصحوات.
ان المقاومة في العراق، تؤمن بأن ضرباتها الموجعة ضد قوات الاحتلال قد أوصلت المشروع الأمريكي الى الفشل ، وانها حققت اكثر من تسعين في المائة من اهدافها، وانها مصرة على مواصلة إستهداف الغزاة داخل قواعدهم العسكرية ،التي لجأت إليها الكثير من قواته، وتؤمن المقاومة في العراق ،بأن لاسبيل لتحرير البلد إلا المقاومة المسلحة ،مع تظافر جهود القوى الوطنية المعارضة للغزو وللعملية السياسية.
ويمكن القول أن الحضور القتالي الواسع من خلال إستمرار الهجمات بالهاونات والصواريخ وعمليات القنص وإستخدام العبوات الناسفة من قبل فصائل المقاومة في العراق خلال عام 2009 ، قد أكد على قوة هذه الفصائل ، وإكتسابها المزيد من الخبرات في ميادين التدريب وتطوير الأسلحة والجهد الإستخباري والتوسع الكبير في التعاطي مع مختلف وسائل الإعلام المرئية والمقروءة وشبكة المعلومات الدولية ( الإنترنت ) .


تاسعاً : انتخابات 2010

بدأت أواخر عام 2009 الاستحضارات الخاصة بالانتخابات البرلمانية، التي تقرر اجراءها في (7/3/2010)، وهذه الانتخابات هي الثالثة التي تجري في ظل الغزو الامريكي للعراق الذي شرعت قواتهم به في آذار عام 2003.
فقد جرت الانتخابات الاولى بتاريخ (31/1/2005)، والثانية بتاريخ (15/12/2005) وصولاً الى انتخابات 2010. وتقول القراءة التفصلية لهذه الانتخابات، ان تغييراً جوهرياً لن يحصل في الهيكل السياسي في مرحلة ما بعد الانتخابات، وذلك للاسباب التالية:
اولاً : من الواضح ان هناك اصراراً امريكياً على الابقاء على الاحزاب الثلاثة الطائفية (الحزب الاسلامي، حزب الدعوة ، المجلس الاعلى الاسلامي) والحزبين الكرديين (الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني)، ويتضح ذلك من خلال التصريحات التي يدلي بها كبار المسؤولين في الادارة الامريكية وفي مقدمتهم الرئيس باراك اوباما، الذي اعلن مرات عديدة، ان الولايات المتحدة، ستعمل على دعم الحكومة وانجاح العملية السياسية.
ثانياً : ان اي تغيير لم يحصل في الدستور الذي قسم العراق على اسس المحاصصة الطائفية والعرقية.
ثالثاً : ابقت الادارة الامريكية على عدد كبير من قواتها لانجاح الانتخابات، وتستمر قواتها الضاربة في قواعدها لتأمين الحماية للحكومة التي ستتمخض عن برلمان انتخابات 2010.
رابعاً : تملصت الكتل البرلمانية من اصدار قانون للاحزاب، وتعمدت دخول انتخابات 2010 بدون هذا القانون، الذي يفترض انه يمنع الاحزاب الطائفية والعنصرية من الدخول في العملية السياسية، ومن الواضح ان هذه الاحزاب تخطط للاستحواذ على السلطة للسنوات الاربع المقبلة، وتكريس وتجذير الطائفية والعرقية في العراق.
ان عرض النقاط اعلاه، ليس بقصد وجود امل في انتخابات قد تقترب من النزاهة، لكن من الضروري تأشير خطورة العملية السياسية برمتها والمتمثلة حالياً بالانتخابات، التي اشتركت فيها مئات الكتل وهناك الاف المرشحين ، إلا ان ذلك لا يعني ان هناك اجواءاً سليمة لاجراء انتخابات نزيهة، في ظل الاوضاع الامنية المتردية، ووجود أكثر من خمسة ملايين عراقي مهجر داخل وخارج العراق، واضطرار نسبة كبيرة جداً من النخب العراقية الى مغادرة العراق خلال السنوات الاربع الماضية، وتوارى عن الانظار من بقي في الداخل خشية التصفية التي تطال علماء ووجوه العراق البارزة منذ بداية الغزو عام 2003، وقبل كل ذلك امتناع عدد كبير من العناوين والشخصيات العراقية من الدخول في هذه الانتخابات بأعتبارها جزءً لا يتجزأ من مشروع الغزو، وينظر المعارضون والمقاومون للانتخابات من هذه الزاوية، ويجدون فيها الاداة الادارية والسياسية والثقافية لمشروع الغزو الامريكي للعراق. كما ان سجون الحكومة تغص بستمائة الف معتقل .
يضاف الى ذلك عدم ضمان نزاهة الانتخابات في جانب التزوير، بسبب سيطرت الاحزاب الكبيرة الحاكمة على مفاصل (الامن والادارة والموارد المالية) في البلاد، ويمنحها ذلك قدرة على صياغة نتائج الانتخابات وفق مصلحتها، وبما يضمن استمرار هيمنتها على البرلمان المقبل من خلال التحالفات التي تضع جميع القرارات بيدها .


عاشراً : نظرة استشرافية

ليس من السهولة، ان ترسم حدود واطار ومفاصل المشهد العراقي المستقبلي، سواء للمدى القريب ، أو البعيد، وما يمكن ان يوصف به الوضع في العراق، بأنه قابل لجميع الاحتمالات، وان (المفاجأة) قد تتغلب على جميع انماط الاستقراء المستقبلي، وينطلق هذا التصور من عدم وضوح الاهداف الامريكية في العراق، وخلط الخطاب الامريكي بين الانسحاب الكامل خلال اقل من 24 شهراً، وتقليل القوات الامريكية في العراق 50 الف آب/ اغطس 2010، وفي الوقت نفسه الاعلانات المستمرة عن دعم الحكومة والعملية السياسية في العراق، فاذا كان التعويل على جاهزية قوات الشرطة والجيش في ضبط الامن، وتوفير الحماية التامة للحكومة ولاقطاب العملية السياسية، فأن جميع الدلائل تشير الى استحالة وصول هذه الاجهزة الى هذه الدرجة، وسبب ذلك يعود الى تركيبة هذه الأجهزة ،التي اعتمدت منذ تشكيلها بعد الغزو عام 2003، على قيادات تدين بالولاء المباشر الى مليشيات الاحزاب، وتقدم هذه القيادات الولاء اولاً واخيراً لهذه الاحزاب على حساب الولاء للعراق، ولذلك فأن هذه الاجهزة تحولت الى القمع والاعتقال واثارة الفتن الطائفية، ما انعكس على الموقف المجتمعي منها، وينظر اليها العراقيون بأعتبارها ادوات بيد قوات الغزو وبيد الاحزاب.
ولم تتمكن هذه الاجهزة من خلق قنوات اتصال طبيعية مع الناس، بل انها انطلقت منذ بداياتها من مبدأ خلق (التنافر)، بعد ان سارت على نهج القوات الامريكية، التي وضعت جميع العراقيين الذين لم يؤيدوها ويستقبلوها بالورود في خانة ( المجرمين والارهابيين). لذلك فأن نشاطات الاجهزة الامنية من شرطة وجيش، لم تخرج عن هذا السياق، ولم يشعر العراقيون في يوما ما، بأن الاجهزة الامنية تتكفل بحمايتهم، بل الشعور المعاكس هو الذي يعيشه العراقيون.
هذا الواقع، يجعل من الاجهزة الامنية في حال من الضعف المستديم، يشبه حالها المصاب بأمراض مزمنة عديدة متداخلة، فتزيد من انهاك هيكلها، ولاتتمكن من التغلب على امراضها، طالما ان العلاج الحقيقي والجذري لم يتم اعتماده.
اذن نحن ازاء قوات امنية، لا يمكن ان توفر الحماية التامة للحكومة والعملية السياسية، سواءاً خلال سنة او عدة سنوات، ما يعني ان الادارة الامريكية، ستضطر الى تغيير خططها وتبقي على قوات كبيرة وضاربة في العراق، ورغم ان هذا الاحتمال وارد جداً، إلا ان ما يعلنه المسؤولون في البيت الابيض يناقض هذا الأمر.
اما اذا كانت الادارة الامريكية تعول على احتمال قبول القوى المعارضة والفصائل المسلحة الانضواء تحت عباءة العملية السياسية الحالية، فنعتقد ان هذا الامر غير وارد، على الاطلاق، ما يعني ان التصدي لجميع هياكل الغزو المباشرة وغير المباشرة ،سيتواصل من قبل الفصائل المسلحة، ومن الواضح ان عملياتها العسكرية الميدانية تعبر عن جوهر رؤيتها للواقع العراقي، اذ ترى المقاومة في العراق، أن الحكومة والعملية السياسية، واجهة للغزو الامريكي، ولا يمكن التراجع او التوقف عن مشروعها الوطني حتى انهاء الغزو بالكامل، وقد ارغمته المقاومة على قبول الانسحاب ،بعد ان كان هذا الامر مرفوضاً رفضاً قاطعاً، ويقع تحت الخط الاحمر، حتى اواخر عام 2005، عندما اطلقت للمرة الاولى (كونداليزا رايس نوفمبر 2005) عبارة تتحدث عن احتمال حصول انسحاب من العراق، ثم توالى الحديث عن الانسحاب، وحسم الامر روبرت غيتس في وقت مبكر، وقال امام الكونغرس اثناء استجوابه لتعيينه وزيراً للدفاع خلفاً لدونالد رامسفيلد قال (لانصر في العراق) وكان ذلك بتاريخ 6/12/2006، وبرؤية تحليلية ومن خلال التدقيق في الاستراتيجية الامريكية، يتأكد ان الادارة الامريكية اصبحت مقتنعة تماماً بفشل مشروعها في العراق، وعدم قدرتها على البقاء لفترة اطول، واضافة الى خسائرها في الافراد بين القتلى والجرحى، فأن هناك العاهات النفسية المستشرية بين جنودها العائدين من العراق، وازدادت ظاهرة الانتحار وهناك عشرات الالاف من المعاقين والمجانين، كما يقف الى جنب ذلك وبقوة الوضع الاقتصادي المتدهور، وخسائرها التي بلغت ألاف المليارات.
اننا نرى، ان القوى المعارضة والمقاومة للغزو الامريكي تجد انها حققت الشيء الكثير، وان ضعف عدوها الامريكي الغازي يقابله ثبات وقدرة عراقية على المطاولة، والإصرار على مواصلة برنامجها حتى تحقيق اهدافها النهائية ،المتمثلة بأخراج الغزاة او طردهم بقوة السلاح وانهاء اي وجود زرعوه في العراق.
من هذه الرؤية، نجد ان الادارة الامريكية، لم تحسم نوع الاتجاه الذي تسير به، فاذا كانت متمسكة بالعملية السياسية، فأن جميع الدلائل والمؤشرات، تؤكد استحالة استمرارها في العراق، بعد ان فشلت في كل جانب ومفصل وزاوية، ولم تتمكن هذه العملية من انتاج ايجابية واحدة في العراق، بل على العكس من ذلك، جاءت بالخراب الشامل وتدمير هذا البلد. ولتوضيح الصورة نذكر الاحصائيات التي تتداولها مراكز البحوث والمنظمات الدولية.وتتحدث بها وسائل الاعلام العربية والعالمية.
احصائيات عراق ما بعد الغزو:
1. خمسة ملايين امي في العراق بعد ان اصبح خالياً من الامية عام 1991.
2. مليونا ارملة.
3. 4 ملايين يتيم.
4. 5 مليون عراقي مهجر في الداخل والخارج.
5. الخدمات تحت الصفر(كهرباء، ماء صالح للشرب، غذاء، دواء، بيئة).
6. البلد الاول في السرقات من المال العام، وبالفساد الاداري(حسب منظمة الشفافية الدولية).
7. انتهاكات خطيرة لحقوق الانسان (حسب منظمة هيومن رايت ووتش).
8. فوضى امنية عارمة في العراق.
فإذا تحقق كل هذا الدمار والخراب، وتتوقع الادارة الامريكية قبولاً من الشارع العراقي لهذه (المؤسسة)، التي يطلقون عليها العملية السياسية (البرلمان والحكومة) فأن هذا خطأ فادح تقع به ادارة البيت الابيض، او أنها تصر على استمرار الفوضى والدمار في العراق. وهذا مرجح في ضوء النظرية التي تقول، ان مشروع غزو العراق يبغي الوصول بهذا البلد الى فاجعة شاملة في مختلف الجوانب.
من الواضح، ان الادارة الامريكية امام خيارين، اما الاعتراف بما ارتكبته في العراق، وتشرع بتصحيح ذلك فوراً، وتتخلى عن العملية السياسية. بجميع مؤسساتها واشكالها، او انها تبقى تنتظر لحظة ارغامها على ذلك من قبل الفعل المقاوم الذي يلقى اسناداً من الجهد المعارض. ولا نرى خياراً اخر، إلا اذا كانت تخطط لسحب الغالبية العظمى من قواتها التي تزيد عن 170 الف وآلياتها الثقيلة (47) الف والخفيفة 283 الف، وهذا ما يطلق عليه البنتاغون (الانسحاب المشرف)، ومن ثم الانسحاب السريع عن طريق نقل ما يتبقى من القوات عن طريق الجو، ويكون ذلك مشابها لهزيمة فيتنام 1975. التي انتهى آخر مشهد من فصولها من على سطح السفارة الامريكية في ( سايغون).
ان القراءة الدقيقة للاوضاع في العراق، تذهب بأختصار بإتجاه الاتي:
1. ليس هناك اي احتمال لاستمرار العملية السياسية على ما هي عليه الآن.
2. ليس بإمكان القوات الامريكية ان تواصل وجودها في الشوارع، وانها إتجهت الى تقليص ذلك ايتداء من (30/7/2009)، كما ان هذه القوات غير قادرة على مواصلة تأمين الحماية لحكومة وعملية سياسية غير قادرة على تأمين الحماية لنفسها وشخصياتها.
3. ليس هناك ما يشير الى عجز او تردد او تراجع فصائل المقاومة، بل ان جميع الدلائل تؤكد اصرارهم على تحقيق اهدافها كاملة ، واستناداً الى مفهوم حرب العصابات، فأنه كلما ازداد الوهن في مفاصل العدو، وهو ما يتأكد يومياً عند الحكومة وقوات الغزو الامريكي، فأن الطرف الاخر يزداد قوة، لأن ادوات فعله غير مكلفة، اضافة الى أنهم أصحاب قضية مشروعة، ما يزيد من تمسك عناصره، ولأن العدو ليس صاحب قضية فأن التفكك واليأس يدب بسرعة في جميع مفاصله ،سواءً كانت قوات وإدارة الغزو الأمريكي أو أقطاب الحكومة والعملية السياسية.
ان هذه النظرة الاستشرافية ذهبت بأتجاه طرح الحل الناجح، انطلاقاً من قناعة تقول ان التوصيف الحقيقي لحال العراق الآن، ان ما يجري على ارضه، هو حرب بين طرفين رئيسيين هما، قوات الغزو الامريكي من جهة وفصائل المقاومة والقوى المعارضة من جهة اخرى، وان جميع الجزئيات الاخرى، ليس بأكثر من واجهات وادوات، وانها لن تكون طرفاً رئيسياً في الحل ، مهما طال الزمن.
 
 
 

بحث في الموقع

البحث في

العناوين فقط
العناوين والنصوص
 


القائمة البريدية




بحث Google

Google  

جميع الحقوق محفوظة للجمعية الأهلية لمناهضة الصهيونية
2002 - 2014